منتدى إحسان
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتدى إحساندخول

موقع الدراسة الجزائري


description محمد الصالح الصديق جبل ثلثه في الثورة و ثلثاه في الاستقلال Empty محمد الصالح الصديق جبل ثلثه في الثورة و ثلثاه في الاستقلال

more_horiz
محمد الصالح الصديق جبل ثلثه في الثورة و ثلثاه في الاستقلال
 محمد الصالح الصديق جبل ثلثه في الثورة و ثلثاه في الاستقلال Ait%20sedik

ينتمي الأستاذ محمد الصالح الصديق إلى
قرية تدعى “ابيسكريان ” وتستلفت هذه القرية نظرنا بكونها أنجبت علماء
وأبطالا أذكر من علمائها مفتي الجزائر الشيخ سعيد بن زكري ومن مجاهديها
ديدوش مراد .
يقول محمد الصالح الصديق: ” انتقل جدي من هذه القرية إلى قرية تدعى ابيزار
، حيث انتقل إليها إماما ولد فيها والدي ثم ولدت له “أنا ” . وكان والدي
محبا جدا للعلم والمعرفة وكان قد ذهب إلى جامع الزيتونة للدراسة ولكن
الظروف حالت بينه وبين ذلك فرجع. ولأجل ذلك كان والدي يريد أن أكون له في
ذلك خير عوض إذ لم يدخر جهدا في تعليمي وتثقيفي ولما أراد بي الله خيرا
حفظت القرآن وأنا لم ابلغ بعد التاسعة من عمري ، وقد وقيل قديما ” من لم
يتعلَّم في صغره لم يتقدّم في كبره” .
ولما حققت هذا النجاح العظيم المبكر أبى والدي إلا أن يكافئني فخيرني بين
أمرين أولهما رحلة إلى العاصمة قصد التجوال لأيام أو أن يبتاع لي سيارة
العب بها عملا بالنصيحة القائلة “حرِّض بنيك على الآداب في الصغرِ…كيما
تقَّر بهم عيناك في الكبرِ” .
وصية الوالد: ما للعب خلقنا يا… ولدي
رغبتي في ذلك السن مالت إلى شراء السيارة لكني أدركت أن والدي لايرغب في
ذلك الأمر على الرغم من حداثة سني كما انه يأبى علي الانشغال باللعب
واللهو الذي هو آفة العلم ، لذا سقط اختياري على موافقة رأي والدي ورغبته
المكنونة التي لم يبح لي بها وقصدنا الجزائر العاصمة فكانت لي صولات
وجولات في شوارعها مع بعض أصدقاء الوالد ثلاثة أيام ، وفي اليوم الرابع
شاء القدر أن ألتقي برفقة والدي بالزعيم الروحي الجزائري الشيخ عبد الحميد
بن باديس ولما أبصرني الشيخ وأنا بالقرب منه سأل عني خالي وكانا ذا معرفة
سابقة ببعضيهما ، فرد عليه خالي إن هذا الولد إنما هو ابن الشيخ البشير
وقدمني إليه فخرا بي على أساس إني من حفظة القرآن العظيم الجيدين فتقدم
الشيخ عبد الحميد بن باديس ووضع يده اليمنى على راسي وقرأ هذه الآية
الكريمة ” وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك كبيرا ” .
وكان رأسي لما وضع الشيخ ابن باديس يده عليه يعج ويزدحم بالصور التي كنت
قد رايتها في الأيام الخوالي بشوارع العاصمة التي تتنافى تماما بالمحيط
الذي كنت أعيش واطلب فيه العلم ، إذ رأيت صورا أخرى للحياة والتقنيات
والأنماط المعيشية التي أخذت تدوخني وتسرق مني الهدوء والسكينة التي
ألفتها وألفتني وبمجرد رفع الشيخ ابن باديس يده عن راسي حتى كان كل ذلك
اختفى واندثر ولم يبق في راسي إلا تلك الآية التي قرأها على رأسي الشيخ
عبد الحميد بن باديس وشاء القدر أن أتولى بعد هذه الحادثة بأربعين سنة أن
أتولى إحياء تراث عبد الحميد بن باديس مع جماعة من العلماء فأصدرنا كل
تراثه في 6 أجزاء .
وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك كبيرا
ولما عدت إلى البيت بقريتنا قال لي والدي ” يابني ها قد أخذت حقك من
الراحة ، والآن قد حان الوقت لتبدأ رحلة حفظ الشعر والمتون فقضيت حوالي
أربعة أعوام في هذين المسلكين العلميين فحفظت من المتون 30 متنا ومن
الأبيات الشعرية الآلاف ، ومن جملة القصائد الشعرية الطويلة التي خفضتها ”
المقصورة ” لابن دريد والتي تتألف من 500 بيت كما حفضت الكثير الكثير من
الشعر لأبي تمام وللمتنبي ولابن الرومي وغيرهم من فحول الشعر العربي .
في هذه الفترة عاد إلى منطقة القبائل عالم جزائري موسوعة اسمه الشيخ رزقي
الشرفاوي في مختلف العلوم النقلية والعقلية وكان من خريجي الأزهر الشريف
بشهادة عليا من هناك و تولى التدريس به ( بجامع الأزهر) مدة 17 سنة ،
وكانت لهذا الأخير زيارة للوالد بالبيت فكانت للوالد فرصة يتمناها كل أب
لابنه فعرفني عليه وقدم له أبي سيرتي العلمية كاملة ، فعجب لذلك -عجب
التعظيم- وأجاب الوالد حسبه ما حفظ واليوم هو بين يدي وسيكون رفيقا لي في
زاوية الشيخ عبد الرحمان اليلولي التي ادرس بها ، فتفرغت للدراسة بين يدي
هذا العالم الجليل لسنوات فمن الله علي بعد ذلك أن أصبحت مدرسا بذات
الزاوية وان ابن 16 عاما وكانت تلك كرامة حقيق بي أن اعتز بها وأنا أقف
أمام 100 طالب وأنا أحدثهم سنا وكان الطلبة الأصغر سنا تزيد أعمارهم عن
العشرين سنة فيما يتجاوز البقية العقد الخامس. وقد درست بهذه الزاوية عدة
علوم منها البلاغة والمنطق والأصول وقواعد اللغة العربية والصرف، وبعد
وفاة الشيخ رزقي الشرفاوي في فيفري 1945 نادتني القوة المغناطيسية التي
يتمتع بها العلم كخاصية له دون سائر النعم ففكرت في إتمام الدراسة وطلب
العلم في إحدى الجامعات. ويومها كان كل من جامع الزيتونة والقرويين بتونس
وجامع الأزهر بالقاهرة هما الجامعتين في الوطن العربي من كانا يدرسان
مختلف العلوم والكثير من الطلبة الجزائريين كانوا يتوجهون إلى تونس
واستقرت نيتي على اختيار تونس لذا اجتهد والدي في تحصيل جواز سفر لي ولكن
الاستعمار الفرنسي بصفة خاصة كان ينظر إلى عائلتنا بعين الريبة والتخوف
منا ولهذه العائلة ماض تاريخي يكرهونه عن معرفة ودراية نظرا لموقف العائلة
التي قام الجد الشيخ الطيب فيها بخوض المقاومة إلى جنب الشيخ حداد وخلاصة
ذلك أن تحصيل جواز سفرا للأستاذ الطالب يومها محمد الصالح الصديق أضحى إن
هو إلا أماني وعجز والد ه عن ذلك .
لذا قررت الوصول إلى تونس بدون جواز سفر بمعية وصحبة اعز الأصدقاء في
حياتي الشيخ محمد نسيب رحمه الله ولا نأمل إلا في الذي لاينقطع فيه الأمل
متوكلين على الله سبحانه عز وجل وهو نعم الوكيل .
الحر لا يقيد ومن سار على الدرب وصل
والآن تبدأ رحلة الاستماع إلى أحسن القصص بلا شك و” عند وصولنا إلى ولاية
تبسة تم إلقاء القبض على كلانا من طرف المستعمر الفرنسي وأدخلنا السجن
هناك ومكثنا فيه 19 يوما ودشن يومنا الأول من سجن “قوانتناموا فرنسا”
بالتعذيب والضرب وأنواع الإهانات وجريمتنا الوحيدة هي أننا فكرنا الهجرة
إلى طلب العلم . وبعد انقضاء هذه المدة تم إطلاق سراحنا وبعد الذي شهدناه
ما زاد فينا إلا الإصرار والتعنت إلى مواصلة المسيرة مشيا على الأقدام إلى
جامع الزيتونة في مدة 15 يوما بالتقريب – وهذا على وجه الاختصار لمن أراد
تقفي آثار هذا الرجل العلامة الجزائري الذي لازال ينعم بالحياة بين
أظهرينا – وبعد خضوعنا للامتحان التجريبي تم تسجيل الأستاذ نسيب رحمه الله
في السنة الأولى فيما تم تسجيلي مباشرة في السنة الثالثة لإحاطتي بمختلف
العلوم وكذا تكريما لي للمسافة التي قطعتها حبا في طلب العلم يضاف إليها
مسيرتي التعليمية التي خضتها مع الشيخ رزقي كمدرس خاصة وان الرجل أشهر من
نار على علم وله من الصيت مايزكيه ويزكي أمة بحالها . وحينها تتلمذت على
يد 15 عالما من مشاهير علماء تلك الفترة ل5 أعوام اذكر منهم الأديب الكبير
محمد بوشربية والشيح احمد الزيدي والشيخ بلقاسم بلخيضر والشيخ مختار لوزير.
التميز صفة الجزائري .. الشاب محمد بداية التأليف
على قدر أهل العزم تأتي العزائم و تأتي على قدر الكرام المكارم
في الوقت الذي أنقل هذه السيرة والشهادة التاريخية من صاحبها وتحت هذا
العنوان المتواضع – لرجل يعرفه أهل العلم خير مني بالتواضع – وأنا ماكث
انتظره أمام بيته لأرتب معه موعد اللقاء الأول قال لي آسف يا بني ليس هذا
يوم اللقاء لأني على موعد مع دار (…) للطباعة والتوزيع بالمؤلف ” 101″
سنلتقي غدا بعد الظهيرة.. وهو يستقبلنا بهذه الكلمة الطيبة ” أنا لااعرفكم
حقا لكن قلبي قد عرفكم ألستم صحفيين فاجبنا هو كذلك ” عدنا أدراجنا أنا
ومصور المؤسسة “عمي علال ” ، وأخذنا عنه ذا الذي نقصه عليكم حتى قص علينا
قصة أول كتاب قبل المائة القادمة في تاريخ حياته المليء والمزدحم بالأعمال
الجدية ، وكانت بالنسبة لي على الأقل من أدرك عصفورين بحجر ، الاستماع إلى
قصة العزم الأولى والفوز بالهدية الأولى من بعد المائة من مؤلفاته .
وهذه تفاصيل القصة بلسانه الذي لايعرف تلعثما في العربية البتة وما أنا
إلا ناقل ” ففي سنة 1950 يضيف الطالب محمد الصالح الصديق الذي خلق ليكون
أعظم مما كان هو يدور في خلده ، في هذه السنة فكرت أن اصنع ما لم يفكر فيه
طالبا زيتونيا قط وهو أن أألف كتابا مع إني ما أزالت طالبا وهو ” أدباء
التحصيل” في أربعة أجزاء وطبعت من هذه الأجزاء الأربعة الجزء الأول، وفي
سنة 1951 شاركت في امتحان “شهادة التحصيل ” التي تقدمها جامعة الزيتونة
ونجحت بملاحظة “جيد” كما كنت يومها الطالب الوحيد الذي كان يكتب في
الصحافة في جريدة “صوت الجزائر” وكتبت مقالا واحدا تحت عنوان “التفاؤل
والتشاؤم ” في مجلة ” وحي الشباب ” الذي كان يكتب فيها فطاحل الأدب من
علماء الزيتونة كالشيخ فاضل بن عاشور وغيرهم .
العودة إلى تيزي وزو .. بداية الخروج عن النص
يروي العائد من جنان وروضات طلب العلم كيف استقبل بمسقط رأسه حيث أقيمت
الولائم والأفراح تكريما لشخصه ، وتلك سنة جزائرية حميدة قديمة وجديدة
مازلت الأسر الجزائرية قاطبة تحتفل بها. كيف لا وهي أولى الفرائض على نبي
هذه الأمة ” اقرأ باسم ربك الذي خلق ” وأبو البشرية الأول آدم ” وعلم آدم
الأسماء كلها “.
“وما هي إلا أيام معدودات وانتشر خبر عودتي مسامع الطلبة الذين كنت أدرسهم
قبل رحيلي إلى الزيتونة جاؤوني وطلبوا مني أن أكون أستاذا في تلك الزاوية
التي بالأمس القريب كنت فيها طالبا وباشرت التدريس هنا في شهر أكتوبر
1951″ محدثا فيها بذلك انقلابا جذريا من حيث البرامج كما أسست لهم مكتبة ،
كما كنت كل يوم الخميس بعد صلاة المغرب اجمع 350 طالبا والقي عليهم محاضرة
. وهنا بداية الخروج عن النص الذي يقلق فرنسا ويرعبها إذ يورد مجمد الصالح
الصديق ” كنت القي محاضرات أتطرق فيها إلى مستقبل الجزائر والأوضاع
الفظيعة والرهيبة التي تعيشها الجزائر آنذاك ، وكانت محاضراتي كلها تصب في
هذا الاتجاه والموضوع وهدفي من ذلك التأسيس لروح الانتماء الوطني و القومي
في دواخل ذلك الشباب لتحضيرهم وإعدادهم خير إعداد للغد وكأني بقدرة قادر
ألهمت كأن الثورة قريب ولم يتسرب إلى نفسي الخوف أبدا كوني كنت أؤمن بأنه
لن يصيبني إلا ما كتب الله لي مع أن مرجعيتي القرآنية كانت تكفيني في
التنبيه بالأخذ بالحذر حتى لاتزل القدم فيما لايحمد عقباه “.
هكذا التقيت أوعمران.. وهكذا أغضبته .. وهكذا ضحك بوصوف
وكان الطلبة لما يعودون إلى بيوتهم وقراهم في فترات الراحة يحدثون آبائهم
وأقاربهم عما سمعوا من شيخهم أو مدرسهم ومن جملة ما يهمسون به في الأذان ”
إن هذا المدرس يدرس بطريقة مختلفة عن غيره فهو يتحدث عن ماضي الجزائر وعن
استقلالها وان هذه الأرض لم تكن البتة أرضا فرنسية وإنما هي ارض جزائرية
ولابد أن تعود إلى أهلها وهلم وما جر …. ولما افشوا هذا “السر العلمي” من
باب التساؤل وصل هذا الحديث إلى أسماع كل من كريم بلقاسم والعقيد أوعمران
وشريف بن ذبيح
الذين باركوا هذا الطرح فرغب أوعمران الذي كان يومها -فارا في الجبل- في
لقائي وكان له ما أراد فالتقينا ثلاث مرات عن طريق الوسيط بيننا وهو أحد
مفجري ثورة التحرير الوطني محمد أمزيان بريروش أو ” سي السعيد ” الاسم
الثوري وكان يلقب بـ “le vrai roche” أي بالرجل الحذق الذلق اللسان
أوالمتناهي الذكاء ، وصدق القائل حين قال ” من عُرِفَ بالحكمة، لاحظته
العيون بالوقار.”
دام اللقاء الأول بيني وبين أعمران من التاسعة عشاء حتى صلاة الفجر ودام
اللقاء الثاني 3ساعت أما اللقاء الثالث فلم يزد عن ساعتين وكان جملة
نقاشنا محوره الثورة مستقبل الجزائر وكيفية تحصيل الإمكانيات من أجل تخليص
الجزائر من تلابيب هذا الوحش الاستعماري. فأعجب بطرحي الفكري للثورة في
لقاءين وفرح فرحا كبيرا، ولكن في اليوم الثالث أثرت غضبه فغضب مني غضبا
شديدا لحد انه استقام من مكانه وفتح الباب ودخل حجرة أخرى وسبب الخلاف
بيني وبينه هو هذا السؤال حين قال ما رأيك في استقلال الجزائر وهل يمكن
للجزائر أن تستقل بالخطب والقصائد الشعرية والأناشيد الوطنية والحديث في
المؤتمرات المختلفة ؟ قلت له “لا” … لا يمكن آن تستقل الجزائر إلا بالرصاص
وهي اللغة التي يفهم بها الاستعمار الفرنسي. ثم عاد فسألني كيف تنفجر
الثورة ؟ فأجبته إجابة علمية : يجب إعداد الرجال والأسلحة . هنا ثارت
ثائرة الرجل وغضب قائلا لي: انك تريد للاستعمار أن يظل في البلاد لمائة
سنة أخرى، وأضاف أوعمران بلهجة غاضبة تترجم رأيه الرافض لهذا التصور ” إذا
حسب تصورك ياسي محمد علينا أن ننتظر 100 سنة لنعد الرجال” وكان تعنيفه هذا
– حسب شهادة الأستاذ محمد الصالح الصديق- إنما له تفسير واقعي حين يجيب
أوعمران ردا على عمي محمد الصالح ” ألا تعلم بان الشعب الجزائري على شفى
حفرة من نار… كما أن الاستعمار إذا ما طال عمر بقائه بالبلاد فانه سيبتلع
( إفنائها ) ماتبقى من هذه الأمة ” وما زاده حنقا
حين أجبته ” أنا لا أوافقك الرأي بأن اندلاع الثورة بدون الإعداد الجيد
لها بشريا ولوجيستيكيا في نظري هو انتحار وليس بثورة ” بعدهذا الجدل
الثوري الأكثر ديموقراطية تشاورية في عز الأزمة الوطنية ، انصرف أوعمران
غاضبا مني ، إلا أن السيد محمد أمزيان تدارك الموقف وأصلح بيننا بسرعة –
وبتواضع العملاقة الذين يغضبون لأجل إحياء أمة ويسامحون ويغفرون بسرعة –
تراجع اوعمران وطلب مني التسامح بعدها مباشرة. ويومها يضيف الأستاذ محمد
الصالح الصديق كاشفا المستور في التأريخ السليم بكل صدق ” لم أكن ادري
ولاساور ظني بان الرجل الذي أنا بصدد محاورته سيصبح قائدا عظيما من قادة
الثورة ، وإلا لكنت لبقا في الحديث إليه معلقا على ذلك بابتسامة أهل لأهل
التأريخ إدراج الإيماءات والإيحاءات في ذلك كما انتهى إليها الفيلسوف
الفرنسي ( ميشال فوكو ) من جملة نصائح كتابة التاريخ “.
لم تنته هذه القصة بعد ، فبعد اندلاع الثورة بأربعة سنوات ومايزيد عن ذلك
بأشهر وبالضبط سنة 1959 التقينا نحن الخمسة على مائدة طعام عشاء (المتحدث
محمد الصالح الصديق، أعمرأوعمران ، بشير القاضي عبد الحفيظ بوصوف ، واحمد
بودة )هنا في غمرة الحديث أثنى علي عبد الحفيظ بوصوف مادحا إياي ” إن ميزة
هذا الرجل كونه جمع بين الرشاشة والقلم ” هنا قص أوعمران الحديث مذكرا
بوصوف بالحادثة والجدل المفصل أعلاه ” سائلا اوعمران وما كان ردك عليه
يومها فقال، قلت له :نحن ” مجموعة من المجانين سنفجر الثورة إن نجحنا فذلك
هو المطلوب ، وان لم ننجح فنحن مجانين ” فجاء رد بوصوف على أحد أجمل وأروع
السير التاريخية (” أن وضع ملعقته في الصحن وانفجر ضاحكا مرددا هذه
المقولة ” يحيا المجانين …يحيا المجانين وبتلقائية وجدنا أنفسنا نردد خلفه
ضاحكين منتشين بصوت عال ومصفقين كرجل واحد “يحيا المجانين … يحيا المجانين
” )… فطوبى لهؤلاء الذين صدقوا الوعد. وصدق القائل الأول ” شر البلية ما
يضحك “.
قصة التحاقي بأبناء الاثنين المبارك 1954
هناك حكمة راسخة عند أهل العلم تزاوج بين سلطتين على النقيض وان كانتا في
حقيقتهما متكاملتين مفادها انه «من خدم المحابر خدمته المنابر”وتنطبق هذه
الحكمة على مسار محمد الصالح الصديق بدون مغالاة.
يسترسل عمي محمد قاصا علينا قصة التحاقي بأبناء الاثنين المبارك 1954 ،
عندما اندلعت الثورة ليلة الاثنين الفاتح من نوفمبر 1954 وفي صبيحة ذلك
اليوم على الساعة التاسعة صباحا ذلك الصبح الذي تغنى به أبوالقاسم الشابي
وفجر صبحه الجزائريون الأحرار دونهم في العالمين – كان صبحا أوله وأوسطه
وآخره وما يليه مباركا- يقص علينا محمد الصالح الصديق البقية التي يتمنى
كل مؤلف ألا يكتب هو بيديه نهايتها . يردف جاءني في تلك الصبيحة المباركة
السيد محمد أمزيان الوسيط بيني وبين أوعمران يحمل إلي هذه الوصية موضحا لي
مهمتي التي ستكون بداياتي الأولى في مجال العمل الثوري ” إن الثورة قد
اسند ت إليك أمرين اثنين عليك القيام بهما على أتم وجه ، أولهما جمع
الأسلحة والمهمة الثانية هي جمع المال وبذلك أصبحت مسؤولا عن ذلك منذ أول
يوم من اندلاع الثورة .وليكن في علمك بان القيادة الثورية بالولاية
التاريخية الثالثة تأمرك بالتزام التدريس بذات الزاوية لذر الرماد في أعين
الفرنسيين حتى لايراودهم أدنى شك في انضمامك للثورة وكان الإخوة من
المجاهدين يأتون دوريا إلى الزاوية لأخذ ما جمعته لهم من مال وسلاح ، إلى
أن وقع المحذور منه وهو” الوشاية ” وكشفت بذلك حقيقة منصبي ودوري الثوري
“. ولما هممت عائدا إلى بيتي بمسقط رأسي لقضاء العطلة هناك اعترض طرقي
فرقة عسكرية أبلغتني بأني موقوف وتم اقتيادي إلى الثكنة العسكرية أين
سألني رائد فرنسي جملة من الاسئلة أذكر أهمها ” مالذي كنت تدرسه في
الزاوية ؟ هل كنت تقول في الثورة كذا وكذا عن فرنسا ليلا ؟ هل انتم مسؤول
المالية ؟ فما كان جوابي إلا الإنكار، فأطلقوا سراحي ، وفي ذات النقطة
وبعد ستة أشهر تم إلقاء القبض علي للمرة الثانية وكانت المساءلة ذاتها
والنتيجة . وفي المرة الثالثة ألقي علي القبض بذات المكان غير أن الضابط
الذي ساءلني كان وجها آخر جديدا تماما ركز على سؤال واحد ” هو أأنا من
مسؤولي الثورة أم لا والإجابة كانت واحدة طبعا ، إلا انه بعد أن يئس من
استنطاقي دخل غرفته وعاد إلي على مسرعا حاملا بين يديه كتابا كنت ألفته في
تلك الأيام فقط عنوانه ” مقاصد القرآن ” – الذي ترجم إلى اللغة الفرنسية –
وكان له رواج كبير وكنت قد بعثت منه نسخة إلى الراحل جمال عبد الناصر
يومها وعلى إثرها تلقيت ردود التشكرات التي بلغت رقم بريدي الذي من
التأكيد انه لم يسلم من اختراق السرية والاطلاع على ما ورد جملة وتفصيلا ،
وكان هذا الضابط على اطلاع مؤكد و كاف بذلك وقد تفحص محتوياته رافعا يده
باتجاه راسي متسائلا أنا أعجب لهذا الرأس ” إني حقا لأعجب كيف يزاوج هذا
الرأس بين الكذب والقدرة على ابداع هذا الكتاب ” .- مسكين هذا الضابط
لايدري بأن هناك ضوابطا شرعية تجيز الكذب في ديننا ولذلك الإحاطة بعلوم
الدين هي ضرورة تعليمية لفك رموز كل حركة وسلوك اجتماعي وإنساني -.
وبما إني ، غير متمكن من اللغة الفرنسية كان ” قائد الدوار ” هو المترجم
بيني وبينه مخبرا إياي باللغة الامازيغية ” إن الضابط ينوي قتلك وفي حال
ما إذا كنت محظوظا ولم يقتلك فأنصحك أن تدبر شؤونك للفرار والخروج من هنا
ولا تعد البتة ، وكان لحظتها الضبط الفرنسي قد ذهب ليتناول رشاشه وعاد ولم
يصنع لي شيئا غير انه انزل جام غضبه علي بأنواع الشتائم التي يستحي المرء
ذكرها …لأغادر بعدها وأنا ادعو الله أن لا تنطلق أي رصاصة من خلف ظهري
وكان الله حفيظا.
أدركت حجم الخطر وكان لزاما علي أن أتدبر أمور رحيلي فاتصلت بسي السعيد
كقائد من قادة الثورة ليتصل هو بكريم بلقاسم ليتصل بي هو الآخر آمرا إياي
ناصحا ” أرسل لحيتك ولا تغادر البيت وتركت لحيتي في هيئتها تلك لمدة 19
يوما ” وفي هذه الفترة دبرت لي جبهة التحرير الوطني وثائق مزورة ،حيث
اهتدى قادة الثورة إلى وضع صورتي بدل صورة شاب يشبهني تم إعدامه وقدمت لي
بطاقة تعريفه وأمرت أن اتجه إلى باريس وكانوا قد طمئنوني بان كل الأمر
مدبر هناك ، فتوجست خيفة من ذلك وأنا المطلوب من طرف السلطات الفرنسية
فكيف لي أن أدخل الشرق من باريس ، فأجابني كريم بلقاسم ” لاتفكر في هذا
الأمر وما عليك سوى أن تكون مستعدا للسفر وحسب ” . لذا عينت الجبهة رجلا
يكون رفيقا ودليلا لي اسمه “تيليوة السعيد ” كما قدم لي كلمة السر التي هي
جواز سفري ولغة معارفي من الذين أؤمنهم نفسي ودليلي في النجاة وكانت كلمة
السر هي ” الشمس” بالعربية أو “ايطيج” بالامازيغية وهي الدلالة نفسها-
وهذه إحدى النعم الكبرى للتعدد اللساني -.
التنظيم الثوري والاختراق الاستعلاماتي في عرين الأسد
يسترسل الشيخ محمد الصالح الصديق – الذي ينبغي له أن يفخر بمفازة رسول
الله التي ما مضمونها ” كل ينال حظ من اسمه “- إني أذكر أمرا حيرني حقا
وانه ليستهل التعظيم والإشادة عل شباب اليوم يدرك عبر شهادتي هذه عظمة
الثورة وعبقريتها وقدرتها على الصنع والإبداع وماذا فعل قادة الثورة بلا
استثناء من اجل نعيم نتمرغ فيه اليوم أحرارا ونحن لا نلقي بالا لذلك
أحيانا لمن ألقى السمع وهو شهيد على ما أقول .
فبمجرد وصولي إلى المطار بباريس أنزلتني قيادة جبهة التحرير الوطني في أحد
أفخم الفنادق بـ” شونزيليزي” و كان يومها حكرا على الأوروبيين وأرباب
العمل ولا يكاد يقيم فيه عربي إلا ما ندر، قضيت هناك ثلاثة أيام وفي اليوم
الثالث مساء طرق شخص الباب في الأربعينيات قال “لي الشمس” فقلت له مرحبا
فقال لي ستخرج غدا على الساعة التاسعة صباحا من الباب وتجد في انتظارك
فتاة جميلة واقفة على الرصيف وما إن تصل إليها ضع يدك بيدها ثم سألته
وماذا بعد ؟ فأجاب: السلام عليكم .
بان الصباح ووجدت الفتاة في الموعد ترتدي نظارتين سوداوتين فعلت المطلوب
مني وانطلقنا على بعد ما يقارب 50 مترا وجدنا سيارة وسائقها هناك في
انتظارنا لم أرى وجهه قط إلى يومنا هذا ركبنا معا وسار بنا بغير النطق ولو
ببنت شفة لمدة ساعة تقريبا حتى نزلنا بشارع اسمه “اليكسفور” فتح لي الباب
ونزلت من السيارة لأجد رجلا في وجهي دنى مني وقال لي ” الشمس ” فشعرت
ساعتها بالطمأنينة ، ارتجلنا بعدها باتجاه عمارة بالطابق الثاني دخلنا شقة
دون أن نكلم بعضينا حيث وجدنا زوج السيدة الفرنسية مكررا كلمة السر” الشمس
” فانصرف الرجل بتحية الإسلام ، وبقينا أنا والرجل بعد حسن الترحاب أخذ
يشرح لي كيفية التعامل مع زوجته الفرنسية التي تكن كرها وحقدا للجزائريين
لايوصف وهي إطار يومها بأحد البنوك الفرنسية كرئيس مصلحة ،أما زوجها
فمجاهد يعمل لحساب الثورة أوهموها بطريقة ما بأني أعمل لصالح فرنسا وأمقت
مثلها الثورة والثوار وكل ماهو جزائري لذا ننصحك أن تحافظي على هذا الشاب
فقضيت 19 يوما في ضيافة بيتها حرا طليقا .- ويبدو أن هذا الرقم ظل كغمامة
تحفظ عمي محمد الصالح الصديق طوال هذه المدة من عمره الذي أفناه في خدمة
الصالح العام – وتفاصيل هذه القعدة الحميمية مع العدو كالآتي ” كانت هذه
السيدة لما تعود مساء تكرمني بأطباق الحلوى وأطيب الأكل ونجلس جلسة
اصطناعية من جهتنا إذ ” أعد نهارا قصة خيالية ضد الثورة ولصالح فرنسا طبعا
ولما تتفرغ يأتي زوجها ليترجم لها ما كتبت فتمرح وتطرب حتى أنها تهتز فرحا
وتنتشي انتشاء عظيما ” ، وهكذا انطلت الحيلة على السيدة الفرنسية.
في اليوم الثامن عشر جاءني شخص آخر لما فتح الباب كرر كلمة السر وأبلغني
أن أكون في المطار على الساعة الفلانية ولما أهممت بالصعود إلى الطائرة
كانت هناك إجراءات رقابية صارمة فدعوت الله أن يصرف ذلك الضابط عني فتحقق
المراد وانشغل بغيري حتى انه لم يلحظ حتى وثائقي واقتصر على النظر فيها
نظرة خاطفة كفتني شرور ذلك اليوم ومايليه.
وبمجرد وصولي إلى تونس قمت بإجراء اتصال لقيادة الثورة وهو المسؤول الأول
عن الثورة في تونس واسمه المرحوم محمود شريف قضيت معه ساعة من الحديث اروي
له مخاوفي التي عشتها في هذه الرحلة فأجاب ” احمد الله أن الأسد أوشك على
ابتلاعك ثم قذفك ”
هكذا تم الترتيب للقائي بالمجاهد علي محساس
بعد أن ركنت إلى أسبوع من الراحة جاءني المناضل الكبير بشير القاضي الذي كان يعمل في جهاز الثورة بليبيا.
وهنا ك قصصت له مغامرتي من أولها إلى آخرها بإحدى الشوارع الرئيسية
التونسية بحكم معرفتي الشخصية الجيدة له ، فقال لي يومها إني اعمل مع شخص
– لم أكن اعرفه يومها – اسمه علي محساس وسأحدثه عنك لتنظم إلينا في ليبيا
وبع يومين أتى إلي المجاهد العظيم علي محساس وكلمني في الموضوع قائلا لي ”
أفضل أن أضمك إلى المقاومة الإعلامية وخير لك أن تعمل في الصحافة بجريدة
اللسان المركزي للثورة التحريرية وجيش التحرير تصدر في تونس ونحن في حاجة
إلى قلمك ، نجن في حاجة إلى فكرك ، فأخذني السي علي محساس إلى ” إدارة
الصحافة الجزائرية الثورية ” وكان الجسم الصحفي لهذه الإدارة الإعلامية
مكونا “من شخصي ولا فخر والسيد عبد الرحمان شيبان والدكتور عبد الله شريط
ومحمد الميلي واليمين بشيشي ” كمحرري المقاومة باللغة العربية ، وكان إلى
جانبنا جند آخر من المحررين باللغة الفرنسية أذكر منهم ” فرانس فانون وعبد
الرازق شنتوف وجماعة آخرون ” قضيت مع الإخوة المجاهدين هناك قرابة العامين
، ليشكل بعدها كتيبة ثورية على الحدود الجزائرية الليبية في عمق الصحراء
بسبهة وأسندت قيادتها لي لأكون كمرشد سياسي فيما أسندت القيادة العسكرية
للرائد ايدير قضينا هناك نحو خمسة أشهر ، وبعد انقضاء هذه المدة تم
توزيعنا وتم تحويلنا إلى مهام أخرى منهم من دخل إلى التراب الوطني ومعظمهم
استشهدوا ومنهم من حول إلى تونس وكثير منهم ما زالوا أحياء، أما المتحدث
بعدها عين مسؤولا عن الإعلام للثورة التحريرية بليبيا “وقضيت 15 يوما
بتونس ليكون القائد أوعمران” – ذلك الذي اختلف معه قبل اندلاع الثورة
وبمشيئة القدر- “هو من يصحبني من تونس إلى ليبيا برا بواسطة سيارة” .
وفي ليبيا عرفني هناك على بعض الإطارات والمسؤولين الليبيين وفي الفاتح من
نوفمبر 1958 دشنت “صوت الجزائر الحرة ” بليبيا حيث كنا نبث 3 مرات أسبوعيا
على الأمواج الأثيرية لمدة نصف ساعة موزعة على أجندة ثنائية الطرح إذ
نتناول ” الأخبار العسكرية والتعاليق السياسية ” ومن بين الذين كانوا لي
عونا في أداء مهمتي على أكمل وجه اذكر بعض السادة المجاهدين العظام على-
وجه التذكر لا التخصيص – الأخ عبد الحفيظ أمقران لمدة ستة اشهر الذي كان
وزيرا للشؤون الدينية كمقدم للأخبار العسكرية ، فيما أعانني كثيرا الأخ
المجاهد الأستاذ الفاضل حسن يامي الذي لا يزال حيا – نرجو له الشفاء – كما
اذكر شابا من ولاية وهران اسمه الشهيد محمد عباس كنت امنحه تقديم الأخبار
العسكرية ، وكان قد استشهد بعد إصراره على تحصيل الشهادة فتسلل إلى
الجزائر عبر الحدود الليبية وأكرمه الله بالشهادة .
فيما واصلت أنا النضال والجهاد على الجبهة الإعلامية بصوت الجزائر لمدة
أربعة سنوات بلا انقطاع ، كما كنت اكتب في الجرائد الليبية بصفة دورية إذ
كتبت عن هذه الثورة التي دوخت العالم بأسره 750 مقالا وكانت لي لقاءات
مهنية مع كل النخبة السياسية والثقافية والفكرية العربية والليبية
المناصرة للثورة الجزائرية لان الحاجة لتعدد الأصوات كانت ذات أهمية لرفع
صوت الاستقلال . هكذا ولما انقضت الثورة عدت موظفا في وزارة الخارجية
والسلك الدبلوماسي قبل أن أعود إلى التعليم ..وتلك حياة أخرى.
قد نعود إليكم في الأيام القليلة القادمة للحديث عن علائق وتواريخ ومواقف
لم تبد لنا في أول الشهادات التي حملت اسما على مسمى بل وستكون لنا معه
دردشة ما بعد الاستقلال، وأخرى حفرية في ما وراء أسوار الفكر.

description محمد الصالح الصديق جبل ثلثه في الثورة و ثلثاه في الاستقلال Emptyرد: محمد الصالح الصديق جبل ثلثه في الثورة و ثلثاه في الاستقلال

more_horiz
مشكوووووووووور
privacy_tip صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
power_settings_newقم بتسجيل الدخول للرد